فضاء حساوي
قصص قصيرة، سرد، شعر، فشة خلق
.
.

كن كما أنت

متى ظهرت موهبتك الكتابية،أو متى اكتشفتها؟

أعتقد أني في المرحلة المتوسطة اكتشفت أن بإمكاني النسج على منوال الأناشيد والقصائد التي ندرسها في المدرسة، جاسم بن عبد الوهاب الحسن هو صديق قديم، أبوه شاعر، كان يجذبني من بين مئات الصبية، كنا نخرج للصحراء ونقرأ الكتب ، كانت أيام جميله، في مجلس والده رأيت للمرة الأولى أناساً ينتجون الكتابة ولا يستهلكونها فحسب، وهناك كانت تدور نقاشات أدبية جميلة

هل للمدرسة او احد المدرسين مثلا دور في ذلك؟

نعم، في المدرسة ضربني المدرس وصارت يدي قطعة حمراء وكان الألم مستقرا في العظام، وكثيرا ما عاملني المدرسون باحتقار ووصفوني بصفات الحيوانات، أعتقد أني أدين للمدرسة بالكثير من مشاعر الحزن والألم والخوف، هذه المشاعر نحتاجها كثيرا للكتابة كما نحتاج أن نشعر عن قرب بمشاعر الآخرين، لهذا لا بد أن نضرب ونهان، أي لا بد أن ندرس في مدارس كهذه. هناك مدرس في المرحلة الابتدائية اسمه ( يحيى الخليلي ) تعرفنا منه على ملامح العربية وقال لنا أن لنا قبلة مسروقة اسمها القدس ، تلك كانت العلامة الفارقة في المدرسة. هناك شاعر جميل اسمه حسن الربيح وهو مدرس أيضاً لكنه علمني خارج أسوار المدرسة ، علمني شيئاً من عروض الشعر و أفادني كثيراً.

هل اشتركت في مسابقات أخرى سابقا،سواء للقصة او لفنون تعبيرية أخرى؟

لا لم أشترك، فقط كنت ذات مرة في مجلس صاحبي صالح فطلب مني أن أكتب مقالاً عن السيدة زينب بنت الإمام علي بن أبي طالب ( عليهما السلام) ستشارك به ابنة أخيه في مسابقة محلية في نفس قريتنا، طلبت الفتاة منه أن يكتب لها فجاءني بالورقة وقال سأغيب بعض الوقت وسأعود وأراك أنهيت المهمة، كان لا بد أن أتسلى في غيابه ففعلت ما أراد، علمت فيما بعد أن ذلك المقال قد فاز الجائزة الأولى لكنهم مع الأسف لم يعطوني أي شيء من تلك الجائزة، وقال والد الفتاة أن فعلي حرام وأني لا أستحق شيئاً من الجائزة، كان ذلك الموقف طريفاً.

للتعبير الفني غير القصة القصيرة؟ هل لك علاقة بالفنون الأخرى كالمسرح أو كتابة الشعر ......

نعم ، أكتب الشعر أحياناً، و إذا نظرنا للفن باعتباره متنفساً لطاقات الإنسان فأنا أمارس الفن في العديد من مظاهر الحياة اليومية، لكنها فنون غير مقروءة للكثيرين، قد يجد الإنسان قارئا واحدا أو اثنين وقد لا يجد.
 

هل تمارس النقد،ام انك تكتفي بالنقد في المنتديات الأدبية كــ: "شبكة هجر"؟

يمكن القول أني أمارس النقد في كل شيء أو أني لا أمارسه في شيء، فأنا أعيد قراءة الأشياء باستمرار, والأشياء التي نفعلها دوما لا تصبح هي ، ما يسميه البعض نقداً ليس نقداً. لي بعض القراءات في التنور, هذا كل شيء.

بصفتك المنسق لجماعة السرد في نادي المنطقة الشرقية الأدبي
ما هو دور هذه الجماعة وماذا ستقدم للمثقفين أو على الأقل لأعضائه؟

هذه  الجماعة كان يفترض أن تكون مكاناً يحتوي الطاقات، ما حصل أن الطاقات لم تحضر لهذه الجماعة، كانت الجماعة تعمل بطريقة المنتديات والورش التي تنمي أعضاءها، ولكن بسبب عدم حضور الأعضاء تحول شكل نشاطها إلى تنظيم فعاليات سردية ولكن هذا لم يحدث أيضاً إلى الآن . هذه الجماعة بائسة جداً إلى الآن، لا يتوقع منها الكثير.

كيف تنظر لتشكيل نادي الأحساء الأدبي هل سيكون داعما لبعض الأصوات الثقافية في الأحساء وماذا يمكن أن يقدم للمرأة المثقفة؟

هذا يعتمد على تشكيلته الإدارية، في الأحساء عدة تكتلات تتنافس للدخول في إدارة النادي، أتمنى أن يكون تنافساً شريفاً ومثمراً، التنافس في حد ذاته جميل للتخلص من الأقلام الضعيفة أو لتقويتها لتثبت نفسها، هناك من يطبل للأديب وكأنه مُنتج تجاري يراد تسويقه ، التنافس يفضح مثل هذه التصرفات ، لكني أخشى أن يصبح التنافس على الطريقة اللبنانية، فتنقلب الأطراف الأخرى من أعداء إلى أولياء حسب المصلحة الانتخابية بدون النظر للمصلحة الثقافية.

في العام الماضي ظهرت أسماء نسائية أصدرت روايات كيف تقيّم نتاجهن من خلال هذه الروايات؟

أعتقد أن رواية "بنات الرياض" أثّرت اجتماعيا أكثر لسعة انتشارها  بين الأوساط غير المثقفة رغم أنها الأقل مستوى، قرأت "القران المقدس"، واستمتعت ببعض الأفكار التي تعوّل على قوى الإنسان الداخلية في التغيير ورفع الظلم عن نفسه لكني أتفق مع الملاحظات التي أبداها الكثير من الكتاب حول اللغة والمعالجة الفنية، رواية "الآخرون" بدت الأكثر نضجاً فكريا وفنياً بين الروايات الأولى للكاتبات، لكنها كانت تدور حول فكرة واحدة تقريباً على امتداد الرواية، "القران" المقدس كانت أكثر ثراءً وتنوعاً من ناحية الأفكار، لم أقرأ سوى هذه الروايات.

 
ما هي القصة القصيرة بالضبط؟

ليس لديّ إجابة نموذجيّة أو أكاديمية على هذا السؤال إذ أني لم أدرس اللغة وآدابها وتعريفاتها كما أني لا أؤمن كثيراً بالتعريفات الجاهزة والثابتة وأعتقد بأنّ الأشياء تتغيّر دون توقف حتى أقدس الأشياء فمفهومنا عن الدين قد تغير تاريخياً وهو يتغير لدى الشخص نفسه باختلاف عمره ووعيه، القصة كما أحسست بها شكل أدبي وفّر لي حلاً مناسباً ألجأ إليه حين تضيق بي مساحات الشعر التي كنت أتسكع فيها فالقصة كيان منفتح لا تلزمك بحدود ضيقة من حيث مادة العمل ولا أسلوب موحد فالخيارات إذن أكبر، القصة عالم مفتوح ولا أرغب في حبسها في إطار التعريف، يكثر أن نرى من يصم بعض القصص بأنها ليست قصصا وهذا راجع لوجود تعريف ذهني ثابت وضيق لديه ولكنه من جهة أخرى يشير إلى الحاجة إلى توضيح أو تعريف نظري للقصة يمنع مثل هذا اللبس أو يحد منه على الأقل على مستوى الكتابة والنقد، غير أني أميل أيضاً أن يشكل الكاتب تعريفه للقصة من خلال قراءته للقصص لا من خلال تعريف يعتبره قالباً يصب فيه الكلمات والأفكار متى ما أراد كتابة قصة، ربما قيل بأن التعريف أو التصور الذهني هو تصور غير محدد وثابت وهذا صحيح إلا أن التعريف الذهني المأخوذ من قراءة القصص يتيح للكاتب حرية أكثر وحيوية أكبر في التعامل مع نصوصه بعيداً عن الإطار الذي يحشره في التعريف.

كان للقصة القصيرة في الماضي..شكل معروف ،متكامل الشروط والبنيان،وقد يتسم بالمنطقية  والتسلسل المنطلق من الحدث والذي يتكشف شيئا فشيئا عن الحقيقة، التي حاول الكاتب إيضاحها من البداية
فكيف هي القصة القصيرة الآن؟

القصة الآن تغيرت تغيراً كبيراً، لأن دخول التجارب الكثيرة و الأفكار المتنوعة يفرض بالضرورة تغير الشكل، لو لم تتغير لانفجرت أو لكانت مثل مخلوق يضاف إلى كتلته ولا يستجيب جلده لا شك أنه سيصاب بتشققات ستوصف بأنها تشوّه، لا بد من استجابة الشكل لتغير المضمون، وما دام المضمون لا يثبت لتغير الزمن والكتاب و الأفكار فمن الطبيعي أن يتغير الشكل وتتغير حيل الكاتب، ولو أن القصة ثبتت على شكل واحد لماتت لأنها ستكون مبعثاً لملل القارئ لا لإمتاعه، القصة تستقي تغيرها من تغير الأفكار والكتاب ومشاكل العصر، القضية طبيعية فتشريعات الدين تتأثر بالزمن فلا داعي لإسباغ القداسة على الأشكال، ولا يمكن أن تعود الأمور لما كانت عليه لأن الزمن لا يرجع للوراء ولأن الناس و الأفكار تتكامل ولا تتناقص، لا يمكن الحديث عن شروط جديدة كبديل للشروط القديمة فروح النص ( الأفكار والمشاعر ) هي من تفرض شروطها على النص لا أن يكون العكس أي أن تكون هناك شروط ثابتة تفرض نفسها من الخارج على النص من الخارج، روح النص وظيفة، وهناك مهام تفصيلية لا يجوز فرضها بل هي مهام يفصلها الكاتب لتؤدي إلى خلق الوظيفة الأساسية التي اندفعت من أجلها روح النص من غياهب العدم إلى مساحات الضياء مطالبة بوجودها وأي مهمة تفرض من الخارج لن تخدم هذه الروح بل ستخدم ذاتها. 

الرمزية الشديدة في القصة الآن، هل ستنم عن ولادة أفضل لها؟

الرمزية هي شكل من الأشكال يمكن أن تستخدم إلى جواره أشكال أخرى كالواقعية والرومانسية أو الاجتماعية واختيار طابع معين يرجع إلى طبيعة الكاتب وثقافته وخياراته من أجل الوصول إلى هدفه بتخليق روح النص، غير أن النزوع إلى الرمزية هو سمة طبيعية ينحو إليها الكاتب كلما ازداد عمق إحساسه بالحياة وتمكنه من السيطرة على جموح اللغة، البعض يرى أن الحياة بمجملها رموز، يزداد فهمك لكليات الكون كلما فككت رموزه و امتلكت الخارطة التي تنير طريق مسيرك في دروبه، اليد رمز لقوّة الله والكرسي رمز لاستيلائه وسيطرته على الكون، الوقوف على الظاهر لا يؤدي لفهم عميق لهذا الكون، الأشكال والكلمات ليست سوى فخ يُسقِط في المعنى، العطر رمز لشعور يستدعيه إذا استنشقه الإنسان وهناك الكثير مما يستدعي شعوراً أو معنى، يستدعيه من أعماقنا أو من مناطق بعيدة من ماضينا

وهل نستطيع إسقاط بعض شروطها أو بعض عناصرها؟

يمكن إسقاط بعض الشروط حسب طبيعة القصة والكاتب، وافتراض أن الحدث هو العنصر الأهم الذي تحوم عناصر القصة حوله هو افتراض خاطئ، أو على الأقل كون هذا الحدث هو حدث خارجي ملموس يمكن للقارئ الإمساك به بسهولة، فالقصة قد تكون شبيهة جداً بومضة سردية في مقابل ومضة الشعر غير أنها تتميز عنها بكمية أكبر من التماسك والواقعية والظهور وقليل من تمايل العبارات على انغام الموسيقى الشعرية، القصة التي ترتكز على حالة هي شكل من أشكال القصة، هناك أيضاً الشكل الذي يتابع التغير في حالة معينة عبر مساحة زمنية متدة وفي هذه الحالة تكون القصة مثل مجرى ضيق تجري فيه القصة ولكن هذا المجرى يمتلك من الطول ما لا يمكن أن ينطبق مع التعريفات الجاهزة للقصة، من الممكن أيضاً أن يتابع القاص التغير في مكان ضيق عبر فترة زمنية طويلة، يمكن القول أن القصة تحتاج إلى ثتبيت أو تضييق عنصر أو أكثر واللعب على المتغيرات الأخرى فيما كان التعريف القديم يرتكز على أن أغلب عناصر القصة تكون محدودة وقصيرة.

 ربما يلتبس الأمر احيانا بين القصة والرواية، فهناك من يكتب قصة طويلة ويسميها رواية، كيف نفرق بين هذين الشكلين الأدبيين؟

قد يعترض البعض إطلاق الزمن أو المكان في القصة القصيرة معتبراً أن هذا سيؤدي إلى انمحاء الفرق بين الرواية والقصة القصيرة سوى في المساحة والحجم الظاهريين فتبدو القصة وكأنها رواية مضغوطة، غير أن التمحيص في الفروق بين الرواية وبين قصة مطلقة القيود من قصر و ضيق الزمن ووحدة المكان وقلة الشخصيات سيظهر الكثير من الفروق على مستوى الزمن والمكان والشخصيات، من طبيعة الرواية التدقيق في تفاصيل الزمن و رسم تفاصيل المكان بدقة و تحديد ملامح الشخصيات بدقة، أما التعمق في القصة فلا يكاد يشمل أكثر من شخصية واحدة في زمن واحد أو عدة أزمنة وإذا تعددت الأزمنة قل التركيز على الشخصية لصالح الزمن أما لو كانت الشخصية في زمن واحد فسيكون التركيز أكبر، في قصة أخرى يتم التركيز على مكان واحد عبر عدة أزمنة مثلاً، أو زمن واحد لخلق حالة معينة، على كل حال تشعر بأن هناك كمية ثابتة ومحدودة من التركيز يفرضها ضيق المساحة يتم توزيعها على عناصر محددة أما في الرواية فالمساحة أكبر، وليس الموضوع ضغط للرواية وإن كان ذلك قد يكون صحيحاً من حيث الشكل فقط إلى درجة ما إلا أن المضمون يتغير لتغير الكثير من العناصر وفقدانها في القصة.
القصة كائن يهتدي إليه الكاتب ككيان موافق لموسيقى تُعزف في داخله لا يناسبها غير هذا القالب ولو كانت موسيقاه الداخلية تناسب الشعر لكتب شعراً أو الرواية لكتب رواية، وقد يكتب القاص رواية في زمن لاحق ما يعني تغيراً ما في حياته وفكره أو أن هناك جوانب في حياته لا تستطيع القصة تغطيتها, ربما رأى البعض أن القصة مرحلة تمهيدية توصل إلى فضاء الرواية في النهاية كما يحدث للكثير من الكتاب الذين يبتدئون بكتابة القصة وينتهون بكتابة الرواية.
هناك قضية مهمة تؤثر في شكل القصة هي عنصر العاطفة، فزيادة العاطفة في القصة قد يؤدي إلى ظهورها يشكل رومانسي ذاتي، ويكثر أن تكون البدايات مطبوعة بهذا الطابع، هناك قضية أخرى تتداخل مع هذه القضية هي اختلاط هوية النص بين القصة والشعر، الشعر الحديث الذي يخبّئ موسيقاه في داخله يمتلك القدرة على غزو القصة دون أن يشعر به الكثيرون وهو بذلك يؤثر في شكل القصة ويثير التساؤلات حول جنسها، أما الشعر صاحب الموسيقى الخارجية فلو تسلل للقصة فسيسهل أن يفتضح أمره.
العاطفة عنصر مهم في القصة وهي أول ما يباشر عمله في المتلقي قبل أن يعمل النقد أدواته في القصة. وفي كثير من الأحيان ينسب النجاح للقصة بسبب نجاح العاطفة في التأثير على المتلقي وتحريكه نحو هدف الكاتب،لا أعلم ما هو المعيار في إظهار العاطفة لكي تظهر القصة بالمظهر المغرق في الرومانسية التي تجاوزها الزمن أو كأنها بكائية تنتمي لعصور الندب واللطم والوقوف على الأطلال، غير أني أظن أن التلطف في إظهار المشاعر وعدم إظهارها بشكل فجّ وتفجعي مكشوف هو صفة مطلوبة لأنه يقترب من الواقعية وينفي المبالغة ويشعر بالصدق، ينبغي هنا قتل نظرية (أعذبه أكذبه ).
كن كما أنت ستكون أكثر جمالاً حتى لو كان الواقع مليئا بالعيوب والعثرات.
 الصدق أمانة أخلاقية تنبع من وعي راق للكاتب بواقعة لا تفتأ تدفعه نحو المزيد من اكتشاف الحقائق وتحكي نزعة الكاتب نحو تحمل مسؤولية أخلاقية و جمالية نحو تقدم المجتمع ودفعه نجو تجاوز أخطائه، أما الإغراق في البكائيات فيعزل الكاتب عن واقعه.

أجرت الحوار - سوزان الرمضان ، لصالح موقع التنور.

 


(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية


.
.