ملامح الشخصية الأحسائية و تربية الطيور .. دلالات نفسية واجتماعية محاولةٌ لاستيضاح أثر البيئة في الشخصية زكريا العباد إنّ المنطلق الذي يشكّل وجاهة كتابة هذا المقال هو أنّ اختلاف مكونات البيئات المتعددة ينتج آثاراً مختلفة على قاطني تلك البيئات، وأنّ البيئة مكوّنة من عدّة عناصر مختلفة، بعضها يمتلك صفة الحياة والبعض الآخر يفتقدها، فإذا كانت بعض المواصفات في البيئة مما لا يمتلك صفة الحياة، كالبحر والصحراء والجبال، يمتلك تأثيراً بالغاً على الإنسان فإنّ المكوّنات الحية في البيئة ستكون أكثر تأثيراً على الإنسان ولا سيما إذا أخذنا بعين الاعتبار أن ثقافات الشعوب تنطوي على مضامين ثقافية مرتبطة ومتأثرة ومؤثرة في هذه الكائنات. ينبغي الإشارة في البدء أن الملامح التي أحاول رسمها للشخصية الأحسائية ليست شاملة ولا لازمة لكل فرد ينتمي إلى الأحساء، لكنها من جهة أخرى مؤثرة بشكل أو آخر، بنسبة قد تزيد أو تنقص في مجموع الثقافة والأفراد، كما أني أتصور أنها فاعلة في شخصيات تمتاز بالكثير من الحيوية والتأثير في المجتمع الأحسائي، كما أنّ هذه الملامح، شأنها شأن باقي العوامل الثقافية القادمة من طبقات اجتماعية قديمة، تتميز بنوع من الخفاء والعمل في مناطق اللاوعي.هذه المقالة ليست دراسة شاملة للشخصية الأحسائية وإن استقصت العديد من جوانبها لكنها تعبّر عن محاولة لمقاربة الشخصية وفهمها من خلال زوايا أعتقد أنه من غير المعتاد النظر إليها هي زوايا الجانب المعيشي واليومي والبيئي البسيط ومكمن خطورة هذه الزوايا أنها مؤثرة في حين لا يلتفت عادة لأهميتها، أرجو أن تكون هذه المقالة محاولة وخطوة في هذا الطريق. تتباين علاقة الإنسان بالحيوان بشكل عام وتتأثر بعدّة عوامل ومقولات شعبية ودينية ، كما يرتبط نوع الحيوان الذي يربيه الإنسان بوضعه الحضاري وبحالاته النفسية ومخزونه العاطفي، كما اختلطت تربية الحيوانات بالثقافة الدينية إلى درجة التقديس والعبادة في بعض الأحيان. في الثقافة الإسلامية، نجاسة الكلب لم تقتصر على وجوده بعينه بل صار سبباً لعدم دخول الملائكة في المنزل الذي يوجد فيه، إلا أن صورته في القرآن الكريم كانت متباينة فتارةً هي إيجابيةٌ نوعا ما كما في قصة أهل الكهف وتارة سلبية يضرب بها المثل بالذي أوتي الآيات فانسلخ عنها أي ضلّ بعد وضوح الحق ( إن تتركه يلهث أو تحمل عليه يلهث)، أما العرب فكانت تضرب بالكلب المثل في الوفاء وكانوا يستأمنونه على أغنامهم التي تشكل رأس المال بالنسبة لهم, يقول شاعرهم مادحاً الخليفة: أنت كالكلب في حفاظك للودّ وكالتيس في قراع الخطوب أما الكلب في الغرب فصديق الأسرة وحارس المسنين بعد الوصول لسن التقاعد. و من الملاحظ أنّ علاقة الغرب بالحيوان تختلف اختلافاُ كبيراً عن علاقته بالعرب، ففي الغرب، تعتبر الخنازير من الحيوانات المألوفة والمستطابة للأكل، أما المسلمون فيحرمون أكلها ويستقبحونها و تجد منهم من يصف اليهود بأبناء القردة والخنازير، أما الحمار فعلاقته مع العرب أقوى بكثير من علاقته مع الغرب، و الجمل كالحمار صديق للعربي منذ القدم. ولكنّ الخيل والجمل كان لهما الحظ الأوفر من الشرف والمكانة أما الحمار فكان حيواناً من الدرجة الثانية أو الثالثة في مملكة الحيوانات العربية، ولعلّ لارتباط الحمار بالريف والزراعة سبب في الحط من جانبه لدى العربي إذ أنهم كانوا يقللون من شأن أهل الحاضرة ويرفعون من شأن البداوة والتنقل، والحمار حيوان الحاضرة. رسم الدين علاقة الإنسان بالحيوان ففي الهند تقدّس البقرة ويتبرك بها على أنها مصدر الخير والحياة، وفي الإسلام (الخيل معقود بنواصيها الخير)، وفي الآلهة القديمة كان ( وَد ) الذي ورد ذكره في القرآن رمزاً لوعل أو عجل وروي أنه رجل صالح ممن عاشوا قبل قوم نوح، وجاء في القرآن أن قوم موسى عبدوا العجل،وقد رسم إنسان الكهف الثيران والبرية والغزلان رسومات ذات دلالات دينية، ولا تزال عبادة بعض الزواحف موجودة لدى بعض الأنواع البشرية. أما الطيور، وهي موضوع هذا المقال، فعلاقتها بالشرق أقوى بكثير من علاقتها بالغرب على ما يبدو لي، وربما كان لتحول المجتمعات الغربية إلى مجتمعات صناعية وبقاء المجتمعات الشرقية في حالة غير متقدمة كثيراً عن المجتمعات الزراعية أثر في ذلك. وربما ساعدت طبيعة الشرق العاطفية على بقاء الطيور داخل اهتمامات الإنسان لما للطيور من دلالات عاطفية كما سيتبين، رغم هذا فالحمام رمز عالمي للسلام و استقرار الأوضاع السياسية. تربية الطيور والاهتمام بها هواية منتشرة في الكثير من أصقاع الأرض وهي لا تقتصر على الأرياف حيث توجد الطيور بكثرة في الطبيعة و يعتمد الكثير من الأهالي في رزقهم على تربية الحيوانات لكنها تتعداها إلى المدن ما يشير إلى أن تربية الطيور أصبحت هواية أكثر منها مهنة حيث ينتفي الدافع الربحي وتبقى الطيور رمزاً لحنين الإنسان إلى بداياته الأولى في أحضان الطبيعة . فما هي العلاقة التي تربط الإنسان بالطيور؟ وما هي الأجواء الثقافية والنفسية المحيطة بهواية تربية الطيور والاهتمام بها ؟ قديماً استخدم الإنسان الحمام الزاجل كوسيلةً لتبادل الرسائل السياسية والعاطفية،أما الببغاء فهو طير خفيف الظل يربى في المنازل لغرض التفكّه والتسلية، ومن الطيور التي تربى في المنازل في الأحساء وغيرها البلابل وهي تصدر غناءاً جميلاً وعذباً وهي من الطيور التي تصطاد من المزارع الأحسائية حيث مكان أعشاشها، ومن الجدير بالذكر أن البلابل والببغاء من الحيوانات القابلة للتعلم فالببغاء تتعلم نطق بعض الكلمات والجمل والبلبل يؤخذ من عشه صغيراً ويربيه صاحبه ويطعمه بيده ويقوم بتدريبه لأداء بعض الحركات، وتنشأ في الغالب علاقة وثيقة بين البلبل وبين مربيه، و لبعض أنواع الطيور المستوردة من الغابات الاستوائية أشكال جميلة وملونة تبعث على الراحة مما أدى أن يطلق عليها الناس اسم (طير الحب ). وقد دخلت الطيور عالم الدلالات الرمزية في العرفان والتصوف الإسلامي، فقد ورد في الأثر أن الطيور التي وردت في قصة إبراهيم عليه السلام كانت طاوساً، وديكاً، وغراباً، وحمامة، ولعل الطاوس إشارة إلى العجب والديك إلى الشهوة والغراب إلى الحرص، والحمامة إلى حب الدنيا لإلفها الوكر والبرج( تفسير الألوسي )، وذبح هذه الطيور يشير إلى محاربة هذه الرذائل الأخلاقية والتخلص منها عبر السيطرة عليها (يأتينك طوعاً). إلا أنّ الحمامة ارتبطت بمشاعر الحزن لدى العربي أكثر مما ارتبطت بالحبّ والفرح والتسلية، يقول الشاعر: أقول وقد ناحت بقربي حمامة أيا جارتا لو تعلمين بحالي والشواهد كثيرة في مجال الحزن إلا أننا نلاحظ أن العربي أنْسَن الحمامة فوصف صوتها بالنوح ووصفها بالجارة، والعربي يجير اليمامة ويمنع عنها الصائدين وتنشأ عن ذلك النزاعات كما في قصص العرب. في الأحساء يعدّ هديل الحمام ( الراعبي ) من أشجى الأصوات التي تبعث على الحزن ويضرب بها المثل في حالات الفقد والفراق والثكل،وجاء في لسان العرب ( رَعَّبَت الـحمامةُ: رَفَعَت هَديلَها وشَدَّتْه. والرَّاعِبـي : جِنْسٌ من الـحَمَامِ. وحَمامةٌ راعِبـيَّة : تُرَعِّب فـي صَوْتِها تَرْعِيبا ، وهو شِدَّة الصوت، جاء علـى لفظِ النَّسَب، ولـيس به، وقـيلَ: هو نَسَبٌ إِلـى موضعٍ، لا أَعرِفُ صِيغة اسمهِ. وتقول: إِنَّه لشَدِيدُ الرَّعْب ؛ قال رؤْبة: ولا أُجِيبُ الرَّعْبَ إِنْ دُعِيتُ ويُرْوى إِن رُقِـيتُ. أَرادَ بالرَّعْب : الوعيد؛ إِن رُقِـيتُ، أَي خُدِعْتُ بالوعِيدِ، لـم أَنْقَدْ ولـم أَخَفْ) ولا يخفى أنّ الحمام والحزن والخوف مكوّنات أساسية مؤثرة في شخصية الأحسائي، وفي المفردات للراغب ( الإسعاد في البكاء خاصة، و السعدانة الحمامة) وهذا المعنى يشير لامتزاج حقيقتي الحزن والفرح رغم تناقضهما، وفي العامية في رثاء الحسين عليه السلام على لسان أمه الزهراء( اسْعِدْنِي على ابني يالْتِحِبْنِي) أي أسعدني بالبكاء . ولتقصّي المزيد من الدلالات حول أثر تربية الحمام في الشخصية الأحسائية أتناول علاقة تربيتة بالجانبين الجنسي والعاطفي في الإنسان. ففي الأفلام المصرية القديمة والمسلسلات الخليجية (كدرب الزلق ) كانت السطوح وعشش الحمام مسرحاً لقصص الغرام وربما للقاءات الجنسية أحياناً، ومن الطريف ما نقله لي أحد الأصدقاء عن عامل هندي في الشركة التي يعمل بها كان مهتماً كثيراً بتربية الطيور وكان ينفق جميع دخله على الطيور وعلى الحصول على الأفلام الجنسية، وقد علّق زميل هندي آخر بأنّ سمعة المنشغلين بتربية الطيور في الهند سيئة، ولا شك أنّ التعميم اعتماداً على قصة كهذه أمرٌ خاطئ، فالهند كبيرة جداً، من جهة أخرى، يمكننا القول بوجود تصور مشابه في الأحساء عن المهتمين بهذه الهواية. من جهة أخرى توجد فتوى فقهية منتشرة لدى الكثير من الفقهاء المسلمين تقول بعدم قبول شهادة مربي الحمام و وضعوا لذلك تبريرات عديدة منها أنّ هديلها يلهي عن ذكر الله وعن الصلاة و لكن أكثر ما احتجوا به هو أن الحمام يربى على أسطح البيوت وهي في السابق تشرف على البيوت المجاورة لأن الجدران منخفضة مما يؤدي إلى اطلاع مربي الحمام على عورات الناس وهو أمر مخل بالمروءة، أما في العصر الحاضر وبعد أن صارت الجدران عاليه وساترة فقد أسقط الكثير من الفقهاء هذا الحكم. ومما يعزز هذه الصورة السيئة عن مربي الطيور أنّ التأمّل في أجواء تربية الحيوان بشكل عام يحتمل صحة هذا القول ويشير إلى شيء مشابه، فأماكن تربية الحمام هي أماكن بعيدة عن الأنظار وتواجد الناس عادة بحيث يسهل التفلّت من الرقابة الاجتماعية وممارسة الأعمال الممنوعة كما تشكل الحيوانات بحدّ ذاتها حافزاً على التعرف على عالم الجنس وربما تشجع على ممارسته إذ أنها لا تخجل من ممارسته أمام الجميع ولا تستثني الأطفال. ولذلك كثيراً ما تكون بداية تعرف الطفل على المفاهيم الجنسية في المجتمعات الريفية، والأحساء واحدة منها، عن طريق الأسئلة التي يطرحها الطفل بعد مشاهدته لمشهد جنسي بين حيوانين. وربما ارتبطت حالات الشذوذ وممارسة الجنس مع الحيوانات بهذه المشاهدات أيضاً فكثيراً ما يكون شكل التفريغ الجنسي مرتبطاً بالأشكال والخيارات المتاحة في البيئة، فهي تتدرج عادة من الممارسة الطبيعية في حال كانت الظروف مآتية، ثم ينتقل الإنسان عادة إلى الجنس المماثل في حال غياب الجنس المغاير، وفي حال تعذّر الخيار الثاني ينتقل للخيار الثالث وهو اللعب مع الذات منفرداً وربما في حالات شاذة ينتقل لممارسة الجنس مع الحيوانات، ليس هذا قانوناً حتمياً بالطبع ولكني أعتقد أن لوجود الخيارات المتاحة وغيابها دور كبير في تحديد شكل الممارسة الجنسية. إلاّ أنّ الممارسة الجنسية بين الحمام ممارسة لطيفة لا تشبه كثيراً الممارسة لدى الإنسان وباقي الحيوانات وذلك لغياب العضو الذكري البارز لدى ذكر الحمام ولذلك فالحمام حيوان عاطفي رومانسي يثير العاطفة والخيال من خلال علاقته بأنثاه ومشاعر الشجى والحزن في الإنسان الأحسائي من خلال هديله أكثر من تحفيزه على المعاني الجنسية بكثير ولذلك تغلب هذه المعاني العاطفية في الشخصية الأحسائية و تتركز في المناطق البعيدة عن المدينة وإن كانت الأحساء ممتزجة بحيث يصعب أن يكون أي من أجزائها بعيداً عن الزراعة، تمتزج هذه المشاعر الحزينة مع حزن التراث القادم من صراعات التاريخ الشيعي و الذي هضمه الأحسائي بشكل جيد منذ نعومة أظفاره عبر الأشعار الحزينة التي تتردد على مسامعه في مواسم متلاحقة طوال السنة و يتجاوب معها الضمير الجمعي دون كثير إرادة لإعادة النظر والتقييم في تأثير هذا التراث وطريقة تناقله. وإذا كان العلماء يقولون بأثر البيئة على تكوين الشخصية فالبيئة الخشنة تنتج أناساً خشني الطباع والبيئة الصحراوية تؤدي إلى جفاف المشاعر والبيئة الجبلية التي يحتاج الإنسان فيها إلى تسلق الجبال والنزول منها كثيراً تربي حاسة الإبصار وما يرتبط بها لأن عين الإنسان تكون متحفزة ومنتبهة لتفاصيل الدرب دائماً خوف التعثر و السقوط فتصبح العين دون غيرها نافذة تلقي العالم ومرشّحَه، أما في الأحساء فالحاسة الأكثر تطوراً هي السمع وما يرتبط بها من صوت ونغم، وهي الحاسة التي تتطور لدى أهل الصحراء التي تحيط بواحة الأحساء كذلك ويتحدر أهلها من قبائلها، و نمط الشخصية السمعية هو النمط السائد لدى العربي لخلو الطبيعة من التنوع والثراء الكافي لتطور حاسة البصر ولاعتماد العربي على السمع في تناقل تراثه، ولكون الشعر العمودي المموسق حامل ثقافة العرب وعلومهم فناً صوتياً في الدرجة الأولى، وليتضح لك ذلك عليك أن تقارنه بالنثر أو بالرسم أو النحت، وينتج عن تطوّر الصوت كثرة اللهجات بشكل ملفت للنظر حتى تجد في القرية الواحدة الصغيرة لهجتين أو أكثر، وهذا يذكّرنا بالقول المشهور بأنّ العرب ظاهرة صوتية، نلاحظ أن الصوت والحمام والأشعار كلها تصبّ في مجرى واحد هو نضج الصوت والشجى والحزن و الكلام والبلاغة والنقد والتنظير على حساب أمور أخرى عملية وتطبيقية. ومن العوامل الأخرى التي تساعدنا في إكمال ملامح الشخصية الأحسائية من خلال المكونات البيئية عامل التناقض الحاد في مناخ الأحساء فهو يتميز بطقس متناقض بين الليل والنهار، فالطقس في الليل في الأحساء جميل وبارد إلى درجة قد تكون فيها البرودة لاذعة في المزارع في مساءات الصيف ولكن هذا الجو الذي يدعو الأحسائي للتشبث بالأحساء والإيمان بها لا يلبث أن يرحل مع ساعات النهار الأولى مخلفاً وراءه الحرارة التي لا تطاق ما يزعزع تمسك الأحسائي بأرضه وإيمانه بها حين تجلده أشعة الشمس الحارقة التي لا تماثلها ولا حتى حرارة نهار مدينة الدمام ولا الرياض أيضاً لو استثنينا الحرارة والاختناق الناتجين عن ازدحام المرور والذي لم يعد ينقص الأحساء في الآونة الأخيرة، فالأحسائي إذاً ضائع ومتردد بين فخره بمساء الأحساء البارد وتبرمه بنهاره الحارق، وقريب من هذا فخره بنخلة الأحساء وتمرها ورطبها وتبرمه من موسم الرطوبة والغبار الخانق الذي يأتي من أجل تلقيح النخيل و إنضاج الثمار،إن شعور الأحسائي بأنه لا يكاد يفرح بشيء إلا وكان له ما ينغصه أو ينهيه نهاية بائسة إلا أنّ الجمال لا ينتهي من حياته أبداً بل يعود للظهور مرّة أخرى، حياته تشبه ثورة الحسين التي تبلغ أوجها بتتابع الكتب وتكاثر الأنصار وحين تبلغ الأمور ذروة الرضا تتكشف فجأة عن عراء الخذلان وجرِّ مسلم ابن عقيل في شوارع الكوفة وسحق أضلع الحسين تحت أقدام الخيل، ولكن الأمور لا تنتهي عند هذا الحدّ إذ تندلع الثورات بعد ذلك وينتصر عناد الحسين على جبروت الزمن الذي يراهن على إخماد صوت الحرية بشكل نهائي. والشخصية الأحسائية لا تعني الأحسائي الشيعي وحده بل تنسحب في الكثير من الأحيان على الأحسائي السني الذي تأثر بالمجاورة و الاختلاط فصار شبيهاً جداً من ناحية الخصائص النفسية والاجتماعية واللغوية بالأحسائي الشيعي. والأحسائي أخو الحمامة في الحزن و التآلف مع المكان والوداعة والميل إلى السلام والهدوء، الشخصية الأحسائية مزيج من البيئة والتاريخ، يحدد ملامحها الحاضر والماضي، يهدهدها النخل وترعبها الصحراء، يطربها الليل ويزعجها النهار، ممزقة متناقضة، تتأرجح ما بين الثورة والخوف، إنسحاب للداخل من أجل المحافظة على الذات ولو في أضيق مكان و أصعب ظروف، خجلٌ وحياء في الخارج، و خوف وارتباك و عجز عن التعامل بثقة مع الآخر لانعدام القوة، وقوة في المنطق في الداخل وبسط للسيطرة التامة، كالرجل الأحسائي، في تمام رجولته وسطوته على زوجته، وفي تمام خضوعه أمام شرطي المرور، مجتمع داخل مجتمع، قيم داخل قيم، تاريخ داخل تاريخ. و الأحسائي بعد كلّ هذه الصفات المتعددة والمتناقضة عبقري لأنه متناقض، فهو شجاع وجبان في الوقت ذاته، جريء ومتردد في اللحظة ذاتها، حر ومستعبد في الزمن ذاته، حزين وسعيد في حالة واحدة، مستقرٌ ومتقلّب، يتنقّل بين الصفات المتناقضة كما يتنقّل الوقت بين الليل والنهار، تقي ورعٌ فاسق شهواني، صافٍ رقراق، عكرٌ ومشوّش،طموح ومتخاذل محبَط، ساذج وخبيثٌ ماكر، هي صفات يصعب أن يجمعها في الوقت ذاته سوى إنسان عبقري، وهو بذلك أيضاً مركّبٌ وبسيطٌ كحمامة، تألفُ الوكرَ ويأسرها، تنتمي إليه، ولكنها تتمرد عليه وتنتمي للسماء في الوقت ذاته. الأحساء 5 رجب 1428 هـ .
.
.
الاحد, 15 فبراير, 2009
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية
.
.









من المملكة العربية السعودية
السلام عليكم ورحمة الله
اللهم صل على محمد وآل محمد
وظللت أنهم في مقالك نهم الجائع
نسيج جمالي رائع مركب ثلاثي بل رباعي
الأبعاد ...
إلتقت كل الأشياء وامتزجت كل الأمور
بمزيج يحمل فكر الكاتب المثقف
الذي يختم على العقول قبل الأوراق
تعجز ابجديتي أمام سمو كلماتك
سيدي الكريم ..
يستحق المقال الوقوف أمامه مراراً و
تكراراً ..
دعائي لك ..
zainab