فضاء حساوي
قصص قصيرة، سرد، شعر، فشة خلق
.
.

سراج عمر يختصر التاريخ ويحاصره

 سراج عمر .. يختصر التاريخ ويحاصره

زكريا العباد

 

 

  أقف هنا لأناجيك أيها البعيد القريب، أقف ، من الساحل الآخر، لأتغزّل في جمالك، عم مساءاً أيها العمّ العبقري، أهدهدك لتنام قرير العين، سراج يا سراج ..

 أشعر بك الآن تختصر الأرض وألتمسك الآن روح الطهارة. ربما ملأ القبح صدرَ غيرك قيحاً فصفع وجه دهره ودنياه هجاءاً وشتيمة كما فعل الحُطيئة، وربما أحرق التوحيدي أفكاره اعتراضاً، لكني لم أر كعبقرية ما فعلت قطّ !

  تفترق عنهما، ولا بد للعبقري أن يفترق، في نواح كثيرة وبعيدة.

   النهايات مرعبة، الحطيئة كان يخشى نهايته حياً وتآكله جوعاً، أما التوحيدي، فليس سوى معترض متبرّم، لم يكن بحجم أن يرسم نهايته بيديه كما فعلت، أتلف كتبه ولم يقدّم للتاريخ سوى معلومة واحدة هي أنّ شخصاً كان يعيش هناك اعترض على زمنه الذي لم يمنحه المكانة التي يستحقها، شخص لم يكن يشعر بجدوى أي شيء حيث لا يكون للفكر أية جدوى، تملّكه اليأس فأحرق كتبه. أما أنت فلقد كان دافعك الأمل ، لقد اخترت الوسيلة العبقرية التي تشبه شتائم الحطيئة من جهة و اعتراض التوحيدي من جهة أخرى دون أن تصاب بعيوبهما. لكن طريقتك تشبه أيضاً وجد الحلاج و أنفة الساموراي  و أشياء أخرى ربما لم نلتفت لوجودها الآن، وربما نلتفت لوجودها لاحقاً.

 ولعلّك أيضاً تشبه الشاعر ديك الجنّ وحرقة قلبه وهو يقول:

روّيت من دمها الثرى ولطالما      روّى الهوى شفتي من شفتيها

فآه لك من عاشق لم يرو غليله.

    عم مساءاً يا رائحة الأرض أيها السراج المنير، قتلت نهايتك وقفزت فوق جثتها نحو الأفق اللانهائي في يومك الأسطوري الذي منحت فيه لنار القمامة فلذات قلبك، ستخلد يا قمري فمثلك لا يموت. محاربو الساموراي يقتلون أنفسهم إذا أوشكوا أن يقعوا في الأسر، يموتون ويبقى الأعداء أحياءاً، أما أنت فقد قتلت قذارة عصرك حين رميت بما ظنّ البعض بأنك ستتشبّث به بأهداب عينيك و ستمضي بقية أيامك في تلميعه واستعادة ذكراه لتعلن أنّك لن تقع في أسر بريق ميّت، وأنّ الجمال إذا غاب عن الأرض فإن ثمة فارساً يمتلك الشجاعة للتضحية بأبنائه وروحه ليدفع ثمن زراعة شتلة جمال واحدة أو ليزرع بذرة شك واحدة في صنميّة الزّمان. 

     لم يكلف هجاء الدنيا الحطيئة سوى بضع شتائم تضرّ بقائلها كما تضرّ بمن وجّهت إليه،أما أنت فأي ضرر سيلحق بك ؟! إنها الشتيمة النظيفة والمباركة لأنها تلحق العار بأكمله والهزيمة بأكملها للقبح و تمنح النصر كلّه والشجاعة كلّها للجمال . أي شجاعة أكبر من أن تطعم الموت خيرة الأبناء ممن سهرت الليالي الطوال في سقيهم عرق ذهنك وإطعامهم عسل روحك ؟ وأي نصر أكبر من أن تلفت عيون الأجيال إلى أن البريق ليس كلّ شيء وأنك من فوق الجذع ستبقى سراجاً حين ينطفئ اللامعون واحداً تلو الآخر، فما أشبهك بالحلاج مصلوباًً، وأنت تحرق ذاتك مملوءاً بالثقة الكاملة أن ليس في الجبّة إلا أنت.

         

 

(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية


.
.