ِظلال
الكلمات أتناقض مع نفسي هل يعني هذا
أني أعاكس نفسي وأتضاد معها ؟ هذا السؤال، لا أعلم أن كان يبدو للقارئ سخيفاً لكني
أتذكر أني قرأت أن أهل اللغة اختلفوا كثيراً حول وجود المترادفات في اللغة وحول
السبب الذي يدعوا الناس لوضع ألفاظ عديدة لمعنى واحد ما جعل قسماً منهم يتبنى
القول بأنّ المترادفات ليست موجودة بمعنى أن لكل واحدة من الكلمات التي نسميها
مترادفة علامة فارقة تفرقها عن الأخرى فقد تكون المفردة أطلقت لتعبّر عن الشيء في
حالة معينة وأطلقت رديفتها لتعبّر عن الشيء ذاته في حالة أخرى. إلا أنّ فريقاً آخر
نسف هذا القول وقال أن المفردتين قد يعنيان الشيء ذاته بلا فارق ولا علامة فارقة ولا
بطيخ، وذلك أنّ الأولى قد تطلق على الشيء في لهجة وفي حي من أحياء العرب أو العجم،
وتطلق الأخرى في بلا ضير على الشيء ذاته في حي آخر من أحياء العرب أو العجم. وحكاية الأحياء هذه أثّرت على شيء آخر وهو وجود المشتركات أي أن تُطلَق
الكلمة الواحدة لمعنيين أو أكثر، وليس ذلك راجعاً إلى قلة القدرة على اختراع الكلمات
وتوظيفها بل لكثرة الأحياء، وكلّ حي منها يريد أن يحتفظ (بخصوصيته)، تماماً كما هو
الحال في المصطلحات السياسية الحالية التي تعني في الشمال شيئاً وفي الجنوب شيئاً
آخر، فالمواطنة والمواطن في الشمال ليسا هما في الجنوب فالفرق بينهما كالفرق ما
بين الشمال والجنوب. أعود إلى البدء لأطرح السؤال من جديد: لماذا أناقض نفسي؟ هل يعني هذا
أنني ضدّ نفسي أو يعني أنني عكس نفسي؟ وكيف أكون (عكس) نفسي؟ وهل هذه الكلمات
الثلاث هي لمعنى واحد مع فارق بسيط بينها؟ أي أنّ أوجه الشبه فيما بينها أكثر
بكثير من أوجه الاختلاف، أم أنها كلمات وضعها أجدادي لمعاني مختلفة لكنها تقاربت
مع الزمن كصفائح القارات والتصقت ببعضها ؟ أيكون أنني لو أسمعتها لأحد أجدادي وقلت
له أنها ذات معنى واحد لضحك قائلاً (شتان بين مشرق ومغرب)؟ مهما يكن الحال، ما يظهر لي أنني إنما أرتبك حين يسألني أحدهم (لماذا
تناقض نفسك؟) لأني أكتشف حينها أنني لست موحّداً من الداخل أي أني أحمل الشيء
وضدّه، وكأنّ السائل يلفت انتباهي إلى وجود الاضطراب وعدم الامتزاج والانسجام في
داخلي فأذهل عما كنت قد اصطنعته من انسجام ووحدة لأقع فريسة الاضطراب. ما يعني
أنني بالفعل في داخلي ضدّ نفسي ونقيض نفسي. أما كلمة (عكس) التي توحي بكلمة (نيقاتيف) الانجليزية (NEGATIVE) فهي قريبة من
النقيض ولكنها توحي بانعكاس صورة المرء في الماء وهي توحي أيضاً بفكرة ( القرين)
في الثقافة العربية والإسلامية، وهي فكرة لم تتضح لي تماماً مثل الكثير من الأشياء
رغم أني قضيت أكثر من ثلاثين عاماً في هذه الثقافة منذ أن ولدت، ففي سنّ مبكّرة
كانوا يتكلّمون لنا عن الظلال و(التابعة) والقرين، حتى نشأنا نخاف من ظلالنا. ظلالنا تنعكس على الجدران، وقالوا لنا أن الجدران لها آذان، والظل
معاكس لك ولكنه ملازم وهو قرين مناقض ومخالف، لا تأمن شرّه إلا إذا (أسلم) قياده
لك، ولكن هآت أن يحدث ذلك إلا لنبي صدّيق، إذن فالقرين الذي في داخلك عدو، وقالوا
لنا أنّ أعدى أعداء الإنسان (نفسه)، نفسه الأمارة بالسوء، ما جعلني أخاف منذ
طفولتي من نفسي، وأعادي نفسي، ولكنهم طمأنونا قليلاً وقالوا أنّ في داخلنا نفساً
أخرى هي نفس نزاعة للخير، ويقولون لنا أحياناً أنّ لنا نفساً ثالثة، قالوا (
لوّامة) وقالوا أنها طيبة وأنّ علينا اتباعها، وتشتتنا معهم وتفرقنا وتمزقنا ولم
نعرف من نحن، ورأينا أنّ كثرة اللوم من أبرز صفات النّساء وهم يقولون لنا أنّ
المرأة من ضلع محني خلقت فتحيّرنا، إلى أن درّسونا في واحدة من المراحل الدّراسيّة
قول الشاعر ( إذا كنت في كلّ الأمور معاتباً صديقك لن تلقى الذي لا تعاتبه) و قول
الآخر ( أقلّوا عليهم لا أبا لأبيكمو من اللوم ..) فأزحنا عن كواهلنا ثقل قداسة
اللوم واطرحناه جانباً، ورددنا مع المغنّية ( لا عتاب ولا خصام ..). وتآلفنا مع
أنفسنا قليلاً وعرفنا طعم الرّاحة أخيراً. ليس لك ذنب أيها القارئ، وليس لي، فأنا هكذا خلقتني اللغة والحضارة،
إن أردت فواصل القراءة فيّ وفيك، وإن أردت فارتدّ على أعقابك قصصاً قافلاً من حيث
أتيت، لا تثريب عليك ولا علي. وإذا ارتددت على عقبك فاتبع ظلّك واجعله أمامك إن
استطعت، وإنك (لن تستطيع) لأنّ الزمن لا يعود إلى الوراء. إنّك لن تخرج على الزمن، ولن تعيد حتى أمسك القريب، ولكنّك تستطيع محو
الآثار، وتحطيم القيود، وكسر الأصنام. الخارجون على اللغة المرتدّون
على الكلمات، الأشباح الذين ينفذون في الضّوء وفي الأجسام وفي الأجساد ويسبحون عكس
التيار دون أن يشعر بهم التيار، يحبّهم الماء لأنّهم يدغدغون مشاعره وهم يسبحون
خلاله، أجسامهم في الأجسام وأرواحهم في الأرواح، يوزّعون أجسادهم في الأجساد، هم
كالخيط يدخلهم الله في كلّ نسيج حين يحيك خرق الكون، أولئك الأكثر حياة وأولئك
القادرون على العودة إلى الخلف من أجل دفع عربة التاريخ الواقفة إلى الأمام. أبها ، السبت 25 / 4/ 2009
.
.
السبت, 25 ابريل, 2009
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية
.
.








